وهذه مشاركتي في اليوم التدويني عن دكتور عبد الوهاب المسيري، في الذكرى الأولى لرحيله:
لا أعرف هل يجوز لهاوية مثلي أن تقوم بـ "تحليل جانب من جوانب الفكر لدى عبدالوهاب المسيري" أم لا -وهل أصلح لذلك أصلا!- ؟ لكنني على أي حال لن أجازف برؤيتي الخاصة للأشياء والأشخاص، وأسقطها تحليلا على رجل يجب أولا أن نقرأ ما قاله وكتبه بنفسه قبل أن نحلله. باختصار، سيفيدكم أكثر أن تقرأوا للرجل لا أن تقرأوا عنه.
إليكم إذن مقالة مختارة مما كتب في واحد من أهم كتبه "اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود" وهي مقالة تلخص رؤية المسيري الخاصة للإنسان. وبعد المقالة سوف أوضح بعض المصطلحات الموجودة بها، والتوضيحات أيضاً لن تخرج عما نصه هو نفسه بذات الكتاب:
الإنسان الإنسان، أو الإنسان الرباني:الإنسان الإنسان (في مقابل الإنسان الطبيعي) هو كائن صاحب إرادة حرة رغم الحدود الطبيعية والمادية والتاريخية التي تَحدُّه، أي انه ليس جزءاَ لا يتجزأ من الطبيعة، وإنما جزء يتجزأ منها. وهو كائن واعٍ بذاته وبالكون، قادر على تجاوز ذاته الطبيعية / المادية وعالم الطبيعة / المادة. وهو عاقل قادر على استخدام عقله، ولذا فهو قادر على إعادة صياغة نفسه وبيئته حسب رؤيته. والحرية قائمة في نسيج الوجود البشري ذاته، فالإنسان له تاريخ يروي تجاوزه لذاته (وتعثُّره وفشله في محاولاته)، وهو تعبير عن إثباته لحريته وفعله في الزمان والمكان. والإنسان كائن قادر على تطوير منظومات أخلاقية ومعرفية وجمالية غير نابعة من البرنامج الطبيعي / المادي الذي يحكم جسده واحتياجاته المادية وغرائزه، وهو قادر على الإلتزام بها وقادر أيضاً على خرقها، وهو الكائن الوحيد الذي طوَّر نسقاً من المعاني الداخلية والرموز التي يدرك من خلالها الواقع. وهو النوع الذي له ذاكرة قوية ونظام رمزي اصبحت جزءاً أساسياً من كيانه، حتى إنه يمكن القول بان الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يستجيب مباشرةً للمثيرات، وإنما يستجيب لها حسب إدراكه لهذه المثيرات، وما يُسقطه عليها من رموز وذكريات.
والإنسان هو النوع الوحيد الذي يتميَّز كل فرد فيه بخصوصيات لا يمكن محوها أو تجاهلها. فالأفراد ليسوا نسخاً متطابقة يمكن صَبَُها في قوالب جاهزة، وإخضاعها جميعاً لنفس القوالب التفسيرية. فكل فرد وجودُُ غير مكتمل، مشروع يتحقق في المستقبل، واستمرار للماضي. ولذا فإن زمن الإنسان هو زمن العقل والإبداع والتغيير والمأساة والملهاة والسقوط، وهو المجال الذي يرتكب فيه الإنسان الخطيئة والذنوب، وهو أيضاً المجال الذي يمكنه فيه التوبة والعودة، وهو المجال الذي يُعبِّر فيه عن نبله وخساسته وطهره وبهيميته. فالزمان الإنساني ليس مثل الزمان الحيواني أو الطبيعي / المادي الخاضع لدورات الطبيعة الرتيبة، زمان التكرار والدوائر التي لا تنتهي. ولكل هذا فإن ممارسات الإنسان ليست إنعكاساً بسيطاً أو مركباً لقوانين الطبيعة / المادة، فهو مختلف كيفياً وجوهرياً عنها. فهو ظاهرة متعددة الأبعاد، ومركبة غاية التركيب، ولا يمكن اختزاله على بُعد واحد من أبعاده، أو إلى وظيفة واحدة من وظائفه البيولوجية، أو حتى إلى كل هذه الوظائف.
ويمكن تلخيص الفوارق بين الطبيعة والإنسان في سمة أساسية، وهي أن الطبيعة واحدية، والإنسان الطبيعي أحادي البُعد. أما الإنسان فيتسم بالثنائية والتركيب، والمقدرة على تجاوز السطح المادي للأشياء، فحدوده ليست حدود الطبيعة. ولهذا نجد أن النماذج التفسيرية المادية تفشل في تفسير ظاهرة الإنسان، وإن طُبقت عليه فهو يتحول من إنسان مركب إلى إنسان طبيعي بسيط، يخضع لقوانين الطبيعة بكل ما تحتوي من تبسيط وإنكار للتجاوز. ومن ثمَّ يصبح إنكار الثنائيات المسافات ولثغرات إنكاراً لا لظاهرة الإله وحسب.. وإنما لظاهرة الإنسان الإنسان.
كانت تلك مقالة للمسيري عما يطلق عليه :الإنسان الإنسان / الإنسان الرباني، فماذا يقصد إذن بـ "الإنسان الطبيعي"، و "الطبيعة / المادة" و "الواحدية والثنائية":
فيما يلي تعريفات المسيري لـ:
1- الإنسان الطبيعي:
هو الإنسان الطبيعي / المادي، وهو ظاهرة طبيعية وليس ظاهرة تاريخية حضارية متميزة. ويُعرَّف هذا الإنسان في إطار مقولات طبيعية / مادية: وظائفه البيولوجية (الهضم - التناسل - اللذة الجنسية)، ودوافعه الغريزية المادية (الرغبة في البقاء المادي - القوة والضعف - الرغبة في الثروة)، والمثيرات العصبية المباشرة (البيئة المادية - غدده - جهازه العصبي). فهو يعيش حسب قوانين الطبيعة / المادة، ملتحم عضوياً بها، لا توجد مسافة بينه وبينها، يسري عليه ما يسري على الظواهر الطبيعية من قوانين، يخضع لحتميات القانون الطبيعي / المادي، ويتحرك مع حركة المادة ويستمد قيمه منها، يعيش اللحظة المادية المباشرة والواقع المادي المباشر، فهو مستوعَب تماما في البرنامج الطبيعي / المادي الحتمي، فهو كائن أحادي البُعد، فلا يعرف أية انقسامات أو صراعات أو ثنائيات أو ثوابت أو مطلقات أو كليات، إنسان بلا إرادة ولا حرية ولا مقدرة على التجاوز.
2- الطبيعة / المادة:
مفهوم الطبيعة مفهوم محوري في الخطاب الفلسفي الغربي، الذي يحدد سماتها الأساسية كما يلي:
أ) الطبيعة قديمة، واحدة، شاملة بسيطة، لا انقطاع فيها ولا فراغات.
ب) الطبيعة خاضعة لقوانين مادية آلية، كامنة فيها، تدفعها من داخلها.
ج) هذه القوانين حتمية لا غاية لها ولا تخضع لأية قيم متجاوزة.
د) لا يوجد ثبات في الطبيعة، فكل شيء في حالة تغير مستمر.
هـ) الطبيعة لا تكترث بالإنسان ولا بخصوصيته، أو تميَُزه، أو أفراحه، أو أتراحه، أو غاياته، أو حضارته، أو تاريخه، فالإنسان إن هو إلا جزء لا يتجزأ منها يُرَدُ إليها. وكما قال الدهريون - كما حكى عنهم القرآن الكريم:- (إن هي إلا حياتُنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)! فما هي إلا أرحامُ تَدفع وأرضُ تبلع!
و) لكل هذا يمكن القول بأن الطبيعة علة ذاتها، ومكتفية بذاتها، وتُدرَك بذاتها، وأنها مستوى الواقع الوحيد، ولا يوجد أي شيء وراءها متجاوزاً لها، وبالتالي فالإنسان نفسه يمكن تفسيره بالعودة إلى قوانين الطبيعة.
وإذا ما دققنا النظر وجدنا أن الصفات السابقة هي في واقع الأمر أهم صفات المادة (بالمعنى الفلسفي)، فالنموذج الفلسفي الكامن وراء التعريف السابق للطبيعة هو "النموذج المادي".
3- الواحدية والثنائية:
وجود المسافة بين الخالق والمخلوق يعني أن العالم ليس واحدياً، أي أنه لا يمكن أن يُرَدُ إلى أصل أو جوهر واحد. وعكس الواحدية هو الثنائية (الفضفاضة)، وهي الإيمان بوجود أكثر من مبدأ وأكثر من جوهر في العالم، أي أن الثنائية هي أساس التعددية. ونحن نذهب إلى أن الثنائية الأساسية هي ثنائية الخالق والمخلوق، والتي تفترض أسبقية الخالق على كل ما هو مخلوق، وأن الخالق لا يُمكن أن يُرَد إلى مخلوقاته أو يلتحم بها أو يذوب فيها. وقد وصفناها بأنها ثنائية فضفاضة، لأن الله مفارق للعالم ولكنه لم يهجره. وينتج عن الثنائية الأساسية ثنائيات أخرى مثل ثنائية الأرض والسماء والإله والإنسان. وفي الإطار التوحيدي تظل هذه الثناثية تكاملية فضفاضة. لكن في الإطار الحلولي فإنها تتحول إلى ثنائية صلبة حيث يقف كل طرف في الثنائية في مقابل الطرف الآخر (إثينية) أو تنحل إلى واحدية حيث يهيمن أحد أطراف الثنائية على الطرف الآخر. ومن أهم الثنائيات الناتجة عن الثنائية الأساسية: ثنائية الإنسان والطبيعة، وأسبقيته وأفضليته عليها، بسبب وجود المرجعية المتجاوزة - أي الإله- الذي يستخلفه في الأرض، ولكنها -أي ثنائية الطبيعة والإنسان- تفترض أيضاً وجوده -أي الإنسان- فيها -أي الطبيعة-، واعتماده عليها واحترامه لها.. فهو، وحده، ليس مركز الكون. كل هذا يؤكد انفصال الإنسان عن الطبيعة وإمكانية تجاوزها وتجاوز حدودها المادية.
رحم الله الدكتور عبد الوهاب المسيري، وجزاه عنا وعن الإنسانية خيرا.
| |
