التعذيب في مصر - سلامة الأفراد مسؤولية المجتمع - Tue, 2008-12-02 00:26 By تعذيب
كتبه -ياسر الزيات
ونشرته جريدة البديل
مازلت أحتفظ برسالتها بين أوراقي، لكنني فشلت في العثور عليها. ولو أنني وجدت الرسالة لنشرت لك نصها كاملا، حتي تدرك كم فجعتني تفاصيلها التي مازلت أذكرها إلي الآن. هي زوجة ضابط شرطة شاب برتبة نقيب، أرسلت لي رسالة تفند فيها بالورقة والقلم مرتب زوجها الذي لا يتجاوز ألف جنيه أولاً عن آخر. كان ذلك منذ حوالي 4 سنوات، بعد أن كتبت مطالباً بتحسين أحوال ضباط الشرطة، حتي يمكننا محاسبتهم، وحذرت وقتها من كوارث يمكن أن تحدث نتيجة لتردي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وجاءتني تلك الرسالة، فاكتشفت أن ما يظهر من الأزمة هو قمة جبل جليد يهدد المجتمع كله. هذه زوجة ضابط شريف، وهو يصر -إلي أن وصلتني الرسالة علي الأقل- علي أن يظل ضابطا شريفا، وزوجته فخورة بذلك، لكنها تشعر بأنها تتلقي عقابا علي هذا الشرف. تقول الزوجة إن مرتب زوجها لا يكفي الإيجار، وبائع الخضار والبقال والجزار (الذي تندر زيارته)، ناهيك عن مظهرها هي وزوجها باعتباره ضابط شرطة يجب أن تكون له هيبة. وفي ذلك الوقت كانت الزوجة حاملاً، وأعربت في الرسالة عن مخاوفها من العجز عن تربية طفلهما وتعليمه والإنفاق عليه. كانت المرأة تفضفض في الرسالة بصدق أوجعني، وجعلني أشعر بالكثير من الندم، لأنني كنت قد وجهت انتقادات حادة وعامة لجميع ضباط الشرطة، ولم أكن أري الوجه الآخر للعملة. تقول الزوجة إن زوجها لا يعرف أنها تحصل من والدها علي ألف جنيه شهرياً لتكمل بقية الشهر، وإنها توهم الزوج بأنها مدبرة وأن المرتب يكفي، وأنها «مستورة والحمد لله». تقول الزوجة إنها تشعر بأنها «بتشحت» من والدها، رغم أن الأب لا يفعل- طبعاً- ما يدفعها إلي الشعور بذلك. والمشكلة في رسالة هذه السيدة الفاضلة هي أنها لا تري أملاً، ولا تشعر بأن في الأفق إمكانية لإصلاح الأوضاع مادام زوجها مصراً علي أن يظل ضابطاً شريفاً ومحترماً، وعندها حق طبعاً. وفي ذلك الوقت، اتصل بي ضابط شرطة طالباً مقابلتي، فقابلته علي مقهي في وسط البلد. لا أعرف اسمه إلي الآن، لكنني تعرفت عليه من تلفته في مشيته قبل أن يتوقف ليسأل «القهوجي» عني. كان خائفاً إلي حد لا أستطيع أن أصفه لك. وحكي لي عن الحياة الصعبة التي يعيشها ضباط الأمن العام عموماً، وفي الأقاليم خصوصاً. وحكي لي عن إحساسهم بالظلم والقهر عندما يقارنون أحوالهم بزملائهم العاملين في ديوان الوزارة أو في أمن الدولة، وهم- حسب تعبيره- يعملون في تلك الأماكن بالواسطة والمحسوبية. وحكي لي أيضاً كيف أن الضابط في الأقاليم ينفق علي بيتين من مرتبه الذي لا يكفي بيتاً واحداً، فهو يعمل في محافظة، ويسكن في أخري. وحكي عن تأثير غيابه علي أسرته وأبنائه، وكيف أنه يعمل حوالي 20 ساعة يومياً، تحت ضغط أوامر الرتب العليا التي تتعرض للضغوط أيضاً من الرتب الأعلي. وأظنه كان مبالغاً، وكان هدفه أن أشعر بأحواله وزملائه عندما قال لي ان هناك تنظيماً يضم حوالي 400 ضابط اسمه «ضباط الشرطة الأحرار». فجأة، لمع فلاش كاميرا في المكان، ففزع، ووقف، وسلم بسرعة، واختفي وسط الزحام. كيف تطلبون من خائف أن يحميكم؟! <
مازلت أحتفظ برسالتها بين أوراقي، لكنني فشلت في العثور عليها. ولو أنني وجدت الرسالة لنشرت لك نصها كاملا، حتي تدرك كم فجعتني تفاصيلها التي مازلت أذكرها إلي الآن. هي زوجة ضابط شرطة شاب برتبة نقيب، أرسلت لي رسالة تفند فيها بالورقة والقلم مرتب زوجها الذي لا يتجاوز ألف جنيه أولاً عن آخر. كان ذلك منذ حوالي 4 سنوات، بعد أن كتبت مطالباً بتحسين أحوال ضباط الشرطة، حتي يمكننا محاسبتهم، وحذرت وقتها من كوارث يمكن أن تحدث نتيجة لتردي أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية. وجاءتني تلك الرسالة، فاكتشفت أن ما يظهر من الأزمة هو قمة جبل جليد يهدد المجتمع كله. هذه زوجة ضابط شريف، وهو يصر -إلي أن وصلتني الرسالة علي الأقل- علي أن يظل ضابطا شريفا، وزوجته فخورة بذلك، لكنها تشعر بأنها تتلقي عقابا علي هذا الشرف. تقول الزوجة إن مرتب زوجها لا يكفي الإيجار، وبائع الخضار والبقال والجزار (الذي تندر زيارته)، ناهيك عن مظهرها هي وزوجها باعتباره ضابط شرطة يجب أن تكون له هيبة. وفي ذلك الوقت كانت الزوجة حاملاً، وأعربت في الرسالة عن مخاوفها من العجز عن تربية طفلهما وتعليمه والإنفاق عليه. كانت المرأة تفضفض في الرسالة بصدق أوجعني، وجعلني أشعر بالكثير من الندم، لأنني كنت قد وجهت انتقادات حادة وعامة لجميع ضباط الشرطة، ولم أكن أري الوجه الآخر للعملة. تقول الزوجة إن زوجها لا يعرف أنها تحصل من والدها علي ألف جنيه شهرياً لتكمل بقية الشهر، وإنها توهم الزوج بأنها مدبرة وأن المرتب يكفي، وأنها «مستورة والحمد لله». تقول الزوجة إنها تشعر بأنها «بتشحت» من والدها، رغم أن الأب لا يفعل- طبعاً- ما يدفعها إلي الشعور بذلك. والمشكلة في رسالة هذه السيدة الفاضلة هي أنها لا تري أملاً، ولا تشعر بأن في الأفق إمكانية لإصلاح الأوضاع مادام زوجها مصراً علي أن يظل ضابطاً شريفاً ومحترماً، وعندها حق طبعاً. وفي ذلك الوقت، اتصل بي ضابط شرطة طالباً مقابلتي، فقابلته علي مقهي في وسط البلد. لا أعرف اسمه إلي الآن، لكنني تعرفت عليه من تلفته في مشيته قبل أن يتوقف ليسأل «القهوجي» عني. كان خائفاً إلي حد لا أستطيع أن أصفه لك. وحكي لي عن الحياة الصعبة التي يعيشها ضباط الأمن العام عموماً، وفي الأقاليم خصوصاً. وحكي لي عن إحساسهم بالظلم والقهر عندما يقارنون أحوالهم بزملائهم العاملين في ديوان الوزارة أو في أمن الدولة، وهم- حسب تعبيره- يعملون في تلك الأماكن بالواسطة والمحسوبية. وحكي لي أيضاً كيف أن الضابط في الأقاليم ينفق علي بيتين من مرتبه الذي لا يكفي بيتاً واحداً، فهو يعمل في محافظة، ويسكن في أخري. وحكي عن تأثير غيابه علي أسرته وأبنائه، وكيف أنه يعمل حوالي 20 ساعة يومياً، تحت ضغط أوامر الرتب العليا التي تتعرض للضغوط أيضاً من الرتب الأعلي. وأظنه كان مبالغاً، وكان هدفه أن أشعر بأحواله وزملائه عندما قال لي ان هناك تنظيماً يضم حوالي 400 ضابط اسمه «ضباط الشرطة الأحرار». فجأة، لمع فلاش كاميرا في المكان، ففزع، ووقف، وسلم بسرعة، واختفي وسط الزحام. كيف تطلبون من خائف أن يحميكم؟! <
| |
